السبت، 20 أغسطس 2016

القدس في العقيدة والتاريخ‏ - (الجزء الثالث)

القدس في العقيدة والتاريخ‏ - (الجزء الثالث)


بقلم‏:‏ د‏.‏ محمد عمارة

تم إقتراح النشر من قبل الأستاذ / عدلى البرقونى .

...‏ لقد ظل المسلمون يشيعون قداسة القدس بين جميع أصحاب المقدسات‏..‏ بينما أعاد الصليبيون احتكارها لمذهبهم اللاتيني‏,‏ وحولوا المسجد الأقصى إلى اصطبل خيل‏!..‏ ومخزن سلاح‏!..‏ وكنيس لاتيني‏!..‏ وظل المسلمون يعاملون القدس معاملة الحرم الذي لا يجوز القتال فيه ولا سفك الدماء علي أرضه‏..‏ فحررها صلاح الدين الأيوبي‏[532‏ ـ‏589‏ هـ‏1137‏ ـ‏1193‏ م‏]‏ من الاغتصاب الصليبي سنة‏583‏ هـ‏1187‏ م ـ بعد قرابة التسعين عاما من الاغتصاب‏..‏

وكما دخل رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ الحرم المكي يوم الفتح سنة‏8‏ هـ‏629‏ م ـ ساجدا لله علي راحلته في منظر فريد غير مسبوق ـ كذلك سجد صلاح الدين الأيوبي علي تراب باب القدس ساعة تحريرها ـ سلما وصلحا ـ من الاغتصاب الصليبي‏..‏ وكما لم يجاز رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أهل مكة عنفا بعنف ـ لأن مكة حرم ـ كذلك كظم صلاح الدين الأيوبي غيظه‏,‏ فلم يصنع بالقدس ما صنعه الصليبيون عندما احتلوها سنة‏493‏ هـ‏1099‏ م‏..‏ فقتلوا وحرقوا وذبحوا سبعين ألفا من أهلها ـ مسلمين ويهودا‏!‏ ـ ولم يرحموا حتى الذين احتموا بمسجد عمر ـ مسجد قبة الصخرة ـ فذبحوهم بالمسجد‏,‏ حتى تحولت دماء الضحايا إلى أمواج سبحت فيها خيول فرسان الإقطاع الصليبيين إلى لجم الخيل‏!!‏ ـ كما حكي شهود العيان من نصارى المؤرخين‏!..‏

لم يصنع صلاح الدين شيئا من ذلك الذي صنعه الصليبيون ـ ومن قبلهم الرومان ـ انطلاقا من عقيدته الإسلامية في القدس‏..‏ وضميره الديني إزاء هذا الحرم المقدس‏..‏

ـ وهذا الذي صنعه الصليبيون‏..‏ ومن قبلهم الرومان‏..‏ صنعه المستعمرون الإنجليز سنة‏1917‏ م عندما اقتحم الجنرال اللنبي‏[1861‏ ـ‏1936‏ م‏]‏ مدينة القدس‏,‏ معتبرا غزوته هذه نهاية الحروب الصليبية‏!..‏

وهو الذي صنعته الصهيونية سنة‏1967‏ م عندما اقتحمت القدس‏..‏ لتهودها‏..‏ وتحتكرها‏..‏ ولتعيد ـ علي أرض القدس ـ هذا الفصل الدامي والبائس من احتكار هذه المدينة المقدسة‏..‏ ومن تدنيس وتدمير المقدسات غير اليهودية‏..‏ ومن تدمير الوجود العربي في القدس ـ ذلك الوجود الذي يضرب في عمق التاريخ لأكثر من ستين قرنا ـ أي السابق علي وجود اليهودية واليهود بأكثر من سبعة وأربعين قرنا‏!..‏

وليثبتوا ـ دون أن يقصدوا ـ تفرد الموقف الإسلامي من هذه المدينة المقدسة‏..‏ عندما عاملها ـ عبر تاريخ الإسلام فيها ـ معاملة الحرم المقدس‏..‏ الذي لا يجوز فيه القتال ولا سفك الدماء فيه‏..‏ والذي تجب إشاعة قدسيته بين جميع أصحاب المقدسات‏..‏ أي أن إسلامية القدس‏,‏ والسلطة العربية الإسلامية فيها هي الضمان لبقائها حرما آمنا للجميع‏..‏ وميراثا مقدسا لكل أصحاب المقدسات‏..‏ هكذا كانت عروبة القدس‏,‏ حقيقة صلبة وعنيدة ضاربة في عمق أعماق التاريخ‏..‏ وهكذا كانت إسلامية القدس ـ بشهادة التاريخ‏..‏ وبحكم العقيدة الدينية الإسلامية ـ الضمان لجعلها ميراثا مقدسا لكل أصحاب المقدسات‏..‏ وعن هذه الحقيقة عبر صلاح الدين الأيوبي ـ في رسالته إلى الملك الصليبي ريتشارد قلب الأسد‏[1157‏ ـ‏1199‏ م‏]‏ عندما قال له‏:‏

القدس إرثنا كما هي إرثكم‏..‏ من القدس عرج نبينا إلى السماء‏..‏ وفي القدس تجتمع الملائكة‏..‏ لا تفكر بأنه يمكن لنا أن نتخلى عنها كأمة مسلمة‏.‏

أما بالنسبة إلى الأرض‏,‏ فإن احتلالكم فيها كان شيئا عرضيا‏,‏ وحدث لأن المسلمين الذين عاشوا في البلاد حينها كانوا ضعفاء‏..‏

ولن يمكنكم الله أن تشيدوا حجرا واحدا في هذه الأرض طالما استمر الجهاد‏.‏

إنها مدينة عربية إسلامية عريقة‏..‏ شهد تاريخها من الفصول والصفحات ما جعلها رمز الصراع بين الحق والباطل‏..‏ وبوابة الانتصار في هذا الصراع التاريخي الطويل‏..‏

وصدق رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ حيث قال‏:‏ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين‏,‏ لعدوهم قاهرين‏,‏ لا يضيرهم من خالفهم‏,‏ إلا ما أصابهم من لأواء ـ‏[‏ شدة ومحنة‏]‏ ـ حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك

قالوا‏:‏ يا رسول الله‏,‏ وأين هم؟

قال‏:‏ ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ـ رواه الإمام أحمد‏.‏

إن حقائق الأرقام تقول لنا ـ وللعالم ـ إن التاريخ العثماني لفلسطين قد حافظ علي عروبة سكانها وعلي عروبة أرضها‏..‏ فالوجود اليهودي في فلسطين سنة‏1918‏ م لم يتعد‏55,000‏ نسمة ـ أي‏8%‏ من السكان‏..‏ ولم تتعد ملكيتهم في الأرض نصف مليون دونم ـ أي‏2%‏ من أرض فلسطين‏..‏

ـ لقد دمرت إسرائيل سنة‏1948‏ م‏538‏ قرية فلسطينية‏,‏ واستولت علي أراضيها‏.‏

لما استولت علي أراضي الأوقاف الخيرية الفلسطينية‏..‏ وعلي أراضي الأملاك الأميرية‏,‏ وبعد عدوان سنة‏1967‏ م توحش الاستعمار الاستيطاني ليبتلع كل فلسطين‏.‏

ففي غزة‏,‏ تم توسيع الشريط الحدودي علي الجانب الفلسطيني ـ المنطقة الأمنية العازلة ـ بما مساحته‏24%‏ من مساحة القطاع‏!..‏ كما تم تدمير‏275‏ دونم في شهر ديسمبر‏2007‏ م‏.‏

وفي الضفة الغربية‏,‏ تم تقسيمها إلى أربعة أقسام‏:1‏ ـ القدس‏2‏ ـ غرب الضفة‏3‏ ـ غور الأردن‏4‏ ـ جنوب الخليل‏,‏ وذلك لتقطيع أوصالها بالمستوطنات‏.‏

وأقيم الجدار العنصري العازل‏,‏ الحامي للاستيطان‏,‏ والمبتلع للأراضي الفلسطينية ـ والذي بني منه‏450‏ كيلومترا‏,‏ ولم يبق منه سوي‏80‏ كيلومترا ـ برغم قرار محكمة العدل الدولية بعدم مشروعيته وتمثيله جريمة حرب تغير طبيعة الأرض المحتلة‏.‏

كما تم ـ علي أرض الضفة ـ تجريف‏80,712‏ دونم في أثناء الانتفاضة الثانية من‏2000/2/8‏ م وحتي‏2006/1/31‏ م‏.‏

وتم الاستيلاء علي‏85%‏ من مياه الضفة‏,‏ بحيث أصبح للفلسطيني‏60‏ لترا‏,‏ وللمستوطن اليهودي‏280‏ لترا‏.‏

وفي سنة‏2007‏ وحدها تم اقتلاع وتجريف وحرق‏34,650‏ شجرة في الأراضي الفلسطينية‏!.‏

ـ أما القدس ـ التي بناها العرب اليبوسيون قبل ستين قرنا ـ فلقد ابتلعها الاستيطان‏,‏ وأوشك تهويدها واحتكارها وتهديد مقدساتها علي التمام‏!‏

ـ وفي‏2004/4/14‏ م أعطي الرئيس الأمريكي بوش لشارون رسالة الضمانات التي تعهدت فيها أمريكا ببقاء الوقائع علي الأرض في المفاوضات النهائية للتسوية‏..‏ أي بقاء الاستعمار الاستيطاني الذي ابتلع القدس وفلسطين‏!.‏

تلك هي حقائق التاريخ ـ القديم والحديث والمعاصر ـ للقدس الشريف‏..‏ ولفلسطين‏..‏

وإذا كان الوعي بالتاريخ ـ وليس مجرد قراءته ـ هو سلاح من أمضي الأسلحة في صناعة التاريخ‏,‏ فإن الوعي بمكانة القدس في التاريخ العربي‏..‏ وبمكانتها في العقيدة الإسلامية‏,‏ هو السلاح المحرك للملكات والطاقات‏..‏ والسبيل لإنعاش الذاكرة بالحق السليب‏..‏ حتى يأتي اليوم الذي تجتمع فيه للأمة الإرادة والإدارة التي تعيد لها هذا الحق السليب‏.‏

نشرت بجريدة الأهرام المصرية (بتاريخ 3 – 10 – 17/10/2009م)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق