"السيد قطيط" ظاهرة ليبية جديدة
"السيد قطيط"
ظاهرة ليبية جديدة
د. فاطمة الحمروش
لست
من أنصار نظرية المؤامرة، كما أني لست من دعاة الإنقاص من قيمة أي مواطن
ليبي أو من حقوقه، بما في ذلك حق الإنتخاب والترشح للرئاسة، ولكن تسلسل
الأحداث المتعلقة بظهور السيد قطيط على الساحة الليبية لا يمتّ للمنطق
بصلة، فظهوره المفاجئ كمرشح لنفسه للرئاسة هكذا وبدون مقدّمات، يدفعنا إلى
التساؤل ثم البحث:
"أين كان هذا الرجل طوال السنوات الثلاث الماضية وقبلها؟ ولماذا ظهر الآن فقط؟"
أرى أنها أسئلة مشروعة لمعرفة خلفيات هذا الظهور الإعلامي المكثّف له، وفي هذه المرحلة دون غيرها.
ربما سيردّ عليّ البعض بما جاء في الويكيبيديا عنه، وقد اطلعت عليها
أيضاً، ولا شك لديّ بأنها تمّت تحت إشرافه المباشر لأجل الإعداد لهذه
الحملة الإعلامية واسعة النطاق، لغرضٍ قد يكون كما يبدو، للدفع به إلى كرسي
الرئاسة، أو لغرضٍ مخفي كالتمهيد للدفع بشخصية أخرى لم يُعلن عنها بعد،
إستغلالاً للمرحلة الضبابية التي تمر بها البلاد، والتي يزيد من شدتها
تضارب الأقوال والآراء بخصوص جدوى إستمرار حكومة السيد زيدان من عدمها.
إطّلعت أيضاً على ما جاء على لسان السيد قطيط بنفسه في صفحاته في
الفيسبوك، والتي أود أن أشير هنا إلى حداثة نشأة جميعها، بتاريخ أقصاه 28
اكتوبر 2013!
كما شاهدت بدهشة تصريحه في المؤتمر الصحفي بطرابلس منذ بضعة أيام، إضافة
إلى معلوماتٍ أخرى نُشِرَت له وعنه، فزادت قناعتي بأن الرجل جديد على هذه
المهنة، ومسيّر بهذه الدعاية من قبل جهاتٍ أخرى تدفع به، وقد يكون فقط
بالونة اختبار لردود أفعال الشارع الليبي، لقياس مدى تقبل المواطن الليبي
لوجه جديد آخر.
وبالرغم من قناعتي بأن ليس كل ما نقرأه في شبكة التواصل الإجتماعي صحيحا،
إلا أني أنصح بعدم تجاهل ما يرد، وعلينا دراسته، ولكن يجب أن يُقرن هذا
بتحكيم العقل إضافة إلى البحث عن المصادر لفهم الدوافع من وراء ما يُكتب،
وهذا لا يقتصر فقط على السيد قطيط بل عموما في كل ما نقرأه أو نسمعه في
وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي.
إن الشعب الليبي اليوم يعرف بعضه البعض أكثر من أي زمنٍ مضى، ورغم
المساحات الشاسعة التي تفصلنا إلا أن السنوات لثلاث الماضية قد أظهرت
حقائقاً لا تُحصى عن الكثيرين، وما كانت لتظهر لولا الثورة وما تبعها من
مخاض لولادة الدولة التي ننتظرها، والتي لم ترَ النور بعد.
بالتأكيد كان السيد قطيط معروفا لدى دائرة معارفه، ولكن حين ظهر إسمه منذ
بضعة أسابيع في وسائل الإعلام، لم يكن هذا الرجل معروفا على نطاق واسع على
مستوى الدولة، كذلك فلم نسمع به أبداً خلال سنوات المعارضة رغم وجوده
بالخارج، ولم نسمع عنه يوما مشاركاً في نشاطات المعارضة بالخارج قبل
الثورة، ولم نسمع عنه أيضاً حتى خلال الثورة، ولا حتى بعد إعلان التحرير.
لقد ظهر السيد قطيط فجأة في مؤتمر صحفي في طرابلس للدعاية لنفسه للرئاسة،
رغم أن رئيس الوزراء الحالي لا يزال في مقعده، ورغم عدم وجود حملة إنتخابية
أو حتّى دعوة للتقدّم لهذا المنصب، لكي نجد له عذراً يمنحه حق التصرُّف
بهذا الشكل.
إضافةً إلى ذلك، فإن الطريقة التي ألقى بها الرسالة التي أراد أن يوصلها
إلى الشعب الليبي، كانت تدل بوضوح على جهله بمحتواها، وأنها على الأرجح قد
أُعِدّت له على عجالة وسلِّمت له ليقرأها على المنصّة، ولا أعرف حتى إن كان
على إدراكٍ بحجم ما حملته تلك الجمل المقتضبة من معانٍ ومسؤولياتٍ جسام!
واستغرب من السيد قطيط تصريحه بأنه ضامن ل 140 صوتا من المؤتمر، وقد بلغني
أن أعضاء حزب الإخوان المسلمين ليسوا متفقين معه، إذن يتبقى التحالف
والمستقلين، فإذا كان فعلا يقصد هؤلاء، آمل أن لا يكون السيد قد نسى أن
الشعب الليبي لا يُختَزَل في 170 عضو مؤتمر فقط، ولا أتصور أن أعضاء
المؤتمر لا يدركون هذه الحقيقة.
أعتقد أن تجربتنا الإنتخابية لأعضاء المؤتمر كانت درسا قاسيا لنا جميعا،
ولن يتكرر في المستقبل أي ترشيح أو إنتخابٍ بدون فهم أو دراية كاملة بمن
سنمنحهم الثقة ليتولوا زمام أمورنا.
إن وراء هذه الظاهرة شركة دعائية قويّة، تدفع بسخاء للتعريف بالسيد قطيط
عالميا ومحلّيا، وتصوّره بطلا على الطريقة الدعائية الأمريكية، وهذا ليس
تخمينا بل تأكد لنا ذلك من خلال الإعلام الامريكي بخصوصه.
وللإيضاح هنا أشدد على أن اللجوء إلى هذه الوسيلة الدعائية في الدول التي
يتسابق فيها المرشحون للرئاسة ولا تعني العمالة لأيٍّ كان، وهي الطريقة
المتّبعة هناك.
الملاحظ، من خلال ما ورد في الحملة الدعائية له، توجد رسالة من السيد
زيدان باسم المجلس الانتقالي بتاريخ 4 سبتمبر 2011 تخوله بالتواصل مع
المؤسسات الإنسانية بالامريكتين، والحقيقة أن هذه الرسالة لا تعني شيئا،
ففي تلك المرحلة كان قد أعلن التحرير وليست سوى صورية فقط، ربما لاستخدامها
للدعاية فقط، إضافةً إلى أننا كحكومة انتقالية وجهة تنفيذية، لم يكن بيننا
وبينه أي تواصل في أي شأن.
من خلال السيرة الذاتية له، يتبيّن أنه رجل ميسور الحال، وقد كانت ليبيا
خلال الأشهر الأولى للثورة في أحمسّ الحاجة لأبنائها في الخارج ميسوري
الحال، ولكننا لم نسمع بأي مشاركة من هذا الرجل حينها، وأتحدث هنا عن
نشاطات الجاليات بالخارج بصفتي اني كنت منهم وكذلك كرئيسة لمؤسسة إنسانية
مقرها الرئيسي في الخارج أيضاً، ولم يقتصر هذا فقط على ميسوري الحال فقط،
بل ضحّى الكثيرون بما استطاعوا، من مالٍ ووقتٍ وجهدٍ، بل البعض حتى
بأرواحهم وبذرّيتهم، لدعم الثورة وإنجاحها، فيكف لم يظهر السيد قطيط خلال
تلك المرحلة الهامة من النضال داعما أو مشاركا بما أنعم الله عليه من رزق
دنيوي أو بتأثير على مراكز القوة العالمية التي سرد حسن علاقاته بها في
سيرته الذاتية؟
من الواضح أيضاً أنه ومن يسوّقون له لا يعرفون طبيعة الشعب الليبي
وتركيبته، وعدم درايتهم جميعا بما يحدث من متغيرات على الساحة الليبية بعد
الثورة، وجهلهم بطبع من ثاروا على القذافي.
ويبدو أيضاً أن من يقود حملة قطيط قد أشار عليه بضرورة التواصل مع بعض
الشخصيات المؤثرة في الشارع الليبي لكسب تأييدها، وبالفعل قد قام بذلك في
شتى أنحاء ليبيا ومع جميع المستويات والتوجهات السياسية والدينية.
ولو أن هذه الحملة ظهر بها السيد قطيط خلال مرحلة الثورة كما فعل
الكثيرون، لربما تقبله الشعب الليبي في ذلك الوقت، بنفس الكيفية التي تقبّل
فيها الكثيرين لدى الإنتخابات في شهر يوليو 2012، ولكن اليوم وبعد ثلاث
سنوات من التجارب والتجاذبات والتغيرات العملاقة في ليبيا، والتي أكسبتنا
جميعا خبرة في التعامل مع المرحلة، وعرّفتنا جميعا بعضنا ببعض، لا أتصوّر
أن يتمكّن السيد قطيط من تحقيق ما يسوّق له، وأعتقد أن ما حدث ليس سوى جسّ
نبضٍ للشارع الليبي من قِبَلِ من يدفعون به، وذلك لمعرفة ردود الأفعال
المحلية والدولية، ولا أستبعد أن تكون العملية برمّتها تجهيزاً للدفع
بشخصية أخرى مختلفة تماماً.
حسب رأيي، إن المعطيات الموجودة في سيرة هذا الرجل وفي شخصيته، لا تؤهله
بأي شكل من الأشكال ليصبح "رئيساً لدولة"، ليبية أو غير ليبية، إضافةً إلى
أن لليبيا حساسية خاصة في هذه المرحلة النارية والفاصلة والمفصلية من
تاريخنا، وستكون صعبة القيادة حتى على من تقدّموا الصفوف الأمامية للثورة
منذ قيامها، أو قادوا المعارضة منذ نشأتها، فالقضية الملحٰة الآن هي: ماذا
يمكن أن نفعل في لجنة الستين، وما الذي يجب القيام به للقضاء على سلطة
الإرهابيين وتأمين سلامة المواطنين، حتى تتحرك عجلة الحياة بالبلاد.
وعليه، فإن ليبيا اليوم بحاجة إلى رجل يعرف أهلها ويعرفونه، خبرهم وخبروه،
وأثبت لهم خلال الثلاث سنوات الماضية بأنه أصيل، أمين، وحريص على مصلحة
الوطن قبل نفسه، لا ينتمي إلى أي تيار سياسي، أو جهوي أو قبلي، وليس
مجهولاً جديداً، فمهما كانت قدراته، لن يكون رجل المرحلة، ولن ينجح في
تسيير الدولة وسط هذا الغضب العارم ووسط هذه الفوضى القائمة، وما لم تتوفر
هذه الصفات في الشخصيات القادمة، فلن يكون لأي متقدّمٍ أي قبول لدى
الغالبية، ولن ينجحوا في مهامهم الجسام.
والله المستعان.
د. فاطمة الحمروش
08/12/2013
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق