الأحد، 28 ديسمبر 2014

المعلمون الشرفاء .. وبصمات في ذاكرة مدينة الوفاء



المعلمون الشرفاء ..

وبصمات في ذاكرة مدينة الوفاء




 

بسم الله الرحمن الرحيم ..

يقول الله في كتابه العزيز

 

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ

* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ *

عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)

صدق الله العظيم.



ويقول الحبيب المصطفي عليه أفضل الصلاة والسلام (لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل).إن ما يتاجر فيه الكرام اكتساب الأحرار بالإحسان إليهم واحترامهم ومعرفة قدرهم حيث يقال …


(أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ** فطالما أستعبد الإنسان إحسان)
ويقول الأمام الشافعي رضي الله عنه …

إذا سبني نذل تزايدت رفعة ** وما العيب إلا أن أكون مساببه
ولو لم تكن نفسي على عزيزة ** لمكنتها من كل نذل تحاربه

في هذه المقالة وعلى غير عادتي أدعوكم لنعود معاً لمن له الرغبة في ذلك حيث ما يقرب أربعة عقود من الزمن أو يزيد عاشها شباب وطلبة في مدينة درنه الذين رُبوا على القيم والوفاء في مدينة الوفاء، لقد عشت ذلك الزمن مع أصدقاء بل إخوة لا زلنا نتذكر تلك الأيام الجميلة بمدرسة إبراهيم الأسطى عمر الثانوية وكأنها شريط سينمائي ونحن أبطاله ساعة بساعة منذ دخولنا تلك المدرسة والفصول الدراسية، حتى ينتهي اليوم الدراسي وننتشر خارج المدرسة برفقة أساتذتنا وآبائنا الذين نحبهم ونعتز بهم أيما اعتزاز، غير أنني رأيت في هذه المقالة أن نعيش معاً مع ذكريات أحد أساتذتنا الأجلاء الذي ترك بصمات من الحب والذكريات الطيبة حفرت داخل عقولنا وأصبحت جزءَ منا.

 فمن من ذاك الجيل الوفي لا يتذكر (المسيو رشيد) مدرس اللغة الفرنسية ذلك الأستاذ الوطني العربي القومي الذي تعلمنا منه معنى الانتماء للأمة العربية في إطار الندوات التي كنا نقيمها بمناسبة الأعياد الوطنية والاحتفالات الدينية ، ذلك الرجل الذي أعطى الكثير فعرفته درنه وإدارات التعليم على مستوى الوطن.

ولد المرحوم / رشيد محمود الشريف (المسيو رشيد) بمدينة المجدل، بعسقلان يوم 1/12/1915 درس اللغة الفرنسية بمدارس (ألفريد) بيافا – فلسطين بالمدارس الفرنسية. وألتحق بالجامعة الأمريكية في بيروت 1933 ثم عمل بمسقط رأسه (المجدل) حيث كانت منطقة صناعية لصناعة المنسوجات القطنية والصوفية حتى بدأ احتلال فلسطين العربية 1948 وتم احتلال مدينته ومسقط رأسه ومن ثم انسحاب القوات العربية فهاجرها أهلها إلى مدينة غزة حيث عمل هناك مدرساً للغة الفرنسية في مجال التعليم وفي عام 1959 تعاقد مع البعثة الليبية وحطت به الرحال في مدينة درنه وكأنه مع القدر لكي يحتضنه أهلها بكل الحب والاحترام كيف لا وهو من آل الشريف تلك الأصول الطيبة، ولا شك أن درنه كانت في تلك الفترة منبعاً للعلم والثقافة والانتماء القومي العربي ومصدراً للإشعاع الحضاري والموروث الثقافي الذي تستلمه الأجيال واحدة بعد الأخرى ناهيك عن التناغم الفكري والمد الوحدوي الذي تأتى به الرياح من مصر العربية والتأثير الناصري الذي أثر تأثيراً كبيراً في شباب تلك المرحلة والذي ينادى بالوحدة العربية.

لقد وجد المرحوم / المسيو رشيد المناخ الفكري والعلمي والتفوق التعليمي لدى طلبة الإعدادية والثانوية في تلك الفترة فلم يبخل على طلبته بما عنده من علم ومعرفة في جميع المجالات المعرفية فقدم لهم خلاصة ما عنده من علم ومعرفة باللغة الفرنسية وكان للطلبة كالأب مع أبنائه يعلم وينصح ويرشد إلى الطريق الصحيح والخير والانتماء للأمة العربية. 

وكان ينتهز الفرصة بعد انتهاء الدرس ليعرف طلبته بالقضية الفلسطينية وأبعادها حيث كان يؤكد دائماً أن مطامع اليهود ليس فلسطين فقط بل هي بداية لالتهام الوطن العربي وهو ما نشاهده نحن الآن بأم أعيننا كيف وصل اليهود الصهاينة إلى أهدافهم التي رسموها وينفذها الغرب الحاقد على الأمة العربية والإسلامية في هذا الوقت العصيب.

لقد كان المسيو رشيد نعم الأستاذ والأب والموجه لم يفرق بين طالب وآخر فالكل أبنائه لقد كان ينتظرنا أمام قاعات الامتحانات ليطمئن الخائف ويبشر المبتهج، ويفخر بالمتفوق ويقول دائماً سيكون الأول من أبنائي لا محالة. حتى بعد أن تركنا درنه بعد الثانوية العامة كنا دائماً نسأل عنه وعن صحته وعن أخباره.

وتستمر المسيرة والعطاء ويظل المسيو رشيد يعطى ويعطى حتى سقط في قاعة المدرسين وهو يستعد لإلقاء الدرس في أحد الفصول وكان ذلك يوم 19/12/1973 وينتقل إلى الرفيق الأعلى الرجل الذي أحتضن جيلاً كاملاً ابتداءً من 1959 حتى وافته المنية وهو واقفاً من أجل العلم والعطاء حيث يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُّرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ). صدق الله العظيم رحمك الله يا أستاذنا الفاضل رحمة واسعة وأدخلك فسيح جناته ورحم جميع المعلمين الذين عرفونا وعرفناهم ولم يبخلوا علينا بالعلم والمعرفة وأطال الله في عمر من هم على قيد الحياة ولا شك أن جميلهم في أعناقنا وأعناق أبنائنا وأحفادنا.


كتبوا في حق المسيو رشيد


عرفته مدرساً .. وعاشرته زميل مهنة واحدة .. كلما حاولت أن أجمع شتات فكرى لأقف على حياة إنسان له مكانة كبيرة في نفس عزيزة في خاطري .. تخونني الذاكرة لطول المدة التي عرفت فيها أستاذي البار والمربى الجليل الأستاذ / رشيد محمود الشريف .. ولكن الرباط الوثيق الذي يربطني بهذا الأب المرحوم صاحب القلب الكريم يفرض على أن أرجع إلى سنوات خلت بدأت عام 1959 حين تتلمذت على الأستاذ رشيد ودرست اللغة الفرنسية بالسنة الأولى الثانوية بمدرسة درنه الثانوية، كان خلالها نعم الأستاذ ونعم المربى حيث كان يمنحنا الحنان الأبوي فكان نعم المدرس ونعم الأب. لقد علمنا الوطنية عندما كان يتحدث في كل مناسبة قومية وكان سلس اللسان قوى الإرادة .. كانت الكلمات تخرج من قلبه مدوية عالية لا تخشى في الحق لومة لائم .. كان مرحاً إلى أبعد حد .. وكان يغمرنا بحنانه المنقطع النظير. لقد سقط شهيداً وهو يؤدى واجبه المقدس .. هكذا يموت الشرفاء .. رحمك الله يا مربى الأجيال يا من علمتنا حرفاً فصرنا لك أصدقاءً .. وإلى جنات الخلد مع الصالحين والأبرار ….

السنوسي أحمد لياس

مدير مدرسة إبراهيم الأسطى عمر

الثانوية 1973 م.


المرحوم / رشيد الشريف كما عرفته.


ترجع معرفتي بالأستاذ رشيد الشريف إلى أوائل 1959 /1960 مسيحي أي منذ 14 سنة حينما حضر لأول مرة إلى مدرسة عزوز الابتدائية التي كنت قائماً بإدارتها .. حضر كولي أمر ليتقدم بإلحاق ابنه الطالب حسام بالصف الثالث الإعدادي الملحق بها. وقد أنست منه أثناء حديثه معي. نبلاً ودماثة في الطبع وخلقاً عالياً كما لمست فيه قدوة طيبة للأب الحريص على أداء رسالته إزاء أبنائه وهكذا كان ابنه حسام. صورة من أبيه وتمضى الأيام وتجمعني بالأستاذ رشيد عدة مناسبات قومية واحتفالات وطنية شارك فيها بتلك الخطب والكلمات الملهمة الثائرة والتي صور فيها أحاسيسه وشعوره نحو القضية الفلسطينية مستحثاً الهمم لتخليص الأرض المحتلة.


هكذا كان المغفور له الأستاذ رشيد الشريف ذا نفس عالية ولهذا لم يبال بما كان يصادفه من متاعب جسمية أذكر منها ذهابه وإيابه من المدرسة مع طول المسافة بينهما فكثيراً ما كنت أراه راجلاً أو ممتطياً دراجته وتحت الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة، كل هذا في سبيل أداء واجبه .. طيب الله ثراه .. وأكرم مثواه. وفي الذكرى حياة .. والذكر للإنسان عمر ثان.


الأستاذ / محمود عطية الديبانى.

ما لعيني لا تجود…


في رثاء الأستاذ رشيد الشريف مدرس اللغة الفرنسية في مدرسة إبراهيم الأسطى عمر الثانوية بدرنه وهو فلسطيني الجنسية وكانت تربطني به علاقة طيبة .. فقد ألقيت قصيدة على قبره ساعة دفنه قلت فيها..


ما لعيني لا تجود *** بدموع تستحى منها الخدود
أتراها جمدت أدمعها *** وهى عوني ساعة البأس الشديد
أم ترى بخرها حر اللظى *** في ضلوع كتمت ذاكي الوقود
إلى أن يقول في قصيدته …
ذكريات لم أزل أحفظها *** عن عزيز غاب من هذا الوجود
كان ملء العين علماً راسخاً *** وسجايا زانه الخلق الحميد
ذاك من أمسى مسجى هامداً *** مدرجاً في كفن طي اللحود
خدم العلم بإخلاص سما *** عن شكوك أو قصر أو ركود
فجزاه الله عما أغدقت *** راحتاه من عطا أجر الشهيد
وحباه رحمة واسعة *** جعلت سكناه روضات الخلود

الشاعر / على عبدالشفيع الخرم ..

19/12/1973 م


وما تدرى نفس بأي أرض تموت


لقد كان الأستاذ الراحل محركاً وحافزاً لنا على التفاني في العمل إذ عندما كنا ننظر إليه وهو الرجل المتقدم في السن ونراه يعمل في حيوية ونشاط ودأب كنا نضاعف الجهد ونضاعف العطاء وكأنه صراع خفي بين الشباب والشيخوخة ولكن وبكل صدق كان الأستاذ يغلبنا ويتفوق علينا.


في عام 1969 م عندما عملت لأول مرة في مدينة درنه تشكلت لجنة من الإخوة الفلسطينيين للنظر في شؤونهم والسهر عليها وكانت اللجنة التي تشكلت من بعض الإخوة قد ضمت إلى عضويتها المرحوم الأستاذ رشيد وأنا، ولقد كان الأستاذ الراحل من أكثر الأعضاء نشاطاً ومن أشدهم حماساً إلى فكرة لم الشمل وتوحيد الصف وإظهارنا بالمظهر اللائق عملاً ومعاملة، خلقاً وطبعاً، حتى نذكر في أوساط إخوتنا بالخير والذكر الحسن.


لقد كان أبى النفس أنوفاً ولقد طالما أشفقت عليه وهو الرجل الشيخ عندما كنت أراه يركب دراجته وينطلق إلى المدرسة التي أحبها وأعطاها عمره، كنت أشفق عليه لما يتعرض له من مشقة ولما يكابد من تعب فحفزني هذا الإشفاق ذات يوم أن أقول له .. لما ذا لا تتقدم بطلب إلى إدارة التربية والتعليم بدرنه لعلهم يريحونك من التدريس ويجعلونك موجهاً لمادة اللغة الفرنسية؟ لقد أجابني بأنه لا يرغب في ذلك وبأنه يفضل أن يدرس على أن يكون موجهاً.


وإنني لأنتهز هذه المناسبة لأسجل باسم كافة إخوتي الفلسطينيين في هذا البلد شكرنا وعرفاننا لإخوتنا العرب في هذا البلد الكريم الذي هب عن بكرة أبيه يشاركنا ألمنا وحزننا وأتضرع إلى الله ربى أن يسكن المرحوم في جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.


الأستاذ / يوسف بشير مدرسة إبراهيم الأسطى عمر الثانوية.

لقد خرجت درنه عن بكرة أبيها في ذلك اليوم بمختلف شرائحها لتشييع جثمان الفقيد المعلم رشيد محمود الشريف رحمه الله بقدر إيمانه وجهاده وأدخله فسيح جناته.


أقول .. هكذا هي درنه الغالية وفية للأوفياء لا تنسى من يخدمها بإخلاص سواءً كان من أبنائها أو من خارجها عربي كان أو أجنبي ولا ننسى وقفة درنه في تشييع تلك الراهبة التي قدمت الخير لمجتمع هذه المدينة في مجال الخدمات الصحية فهي حاضنة لكل مخلص وشريف احترمت الأديان السماوية فقد كان فيها (المسجد والكنيسة والمعبد) إلى جوار بعض والدين لله والوطن للجميع وهى طيبة لا تحتضن إلا الطيب، خصوصيتها في صحابتها الشامخة فهي سدها المنيع حيث يقف أولئك الأشاوس الذين منه ممن أدرك الرسول علية أفضل الصلاة والسلام نشروا الإسلام وأستخلفهم الذاكرون والخاشعون الذين يتلون القرآن بجوار الصحابة الأبرار الذين يحرسونها من كل سوء وهم – فزاعة – للجار وعابر السبيل، لا يظلم عندهم إلا إذا كان ظالماً ولا يحب فيها إلا من أحبه الله.

فهنيئاً لدرنه بوفائها لأوفيائها وهنيئاً لها بصحابتها وطيبة أهلها هكذا علمنا أجدادنا ونعلم أبنائنا على ذلك.


إنني أتوجه إلى كل من تعلموا من ذلك الرجل الطيب (المسيو رشيد) أن يتذكروا ذلك المعلم وألا ينسوا أن له أسرة التحمت بهذه المدينة (عصام وحسام وشقيقتهم) كلهم بدون عمل بعد أن استغنت عنهم أمانة التعليم بحكم القانون وتسلموا مكافآت نهاية الخدمة وهم لا زالوا قادرين على العطاء إنهم أساتذة لغات ..

وهم الذين أبوا الرحيل عن هذه المدينة التي زرع والدهم حبها في قلوبهم .. أناشد المسؤولين الذين لديهم القرار أن يكون هناك نظرة للقيم والمبادئ الإنسانية التي تجعلنا نتدارك ذلك من أجل لمسة وفاء ومحبة لمن أعطوا حتى ولو لم يكونوا من المواطنين المحليين، فكم من مغترب قدم الكثير لوطن ثان له فما بالك بفلسطين الحبيبة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق