عودة القذافي
بقلم / حنان أبوكيل
8/10/2013
تمر السنوات وتتباعد ذكريات ثورة فبراير شيئاً فشيئاً ولكنني لازلت أذكر جيداً كيف كان بداخلي يقين حتى في أحلك لحظات الثورة (والتي تجرعها أهل المنطقة الغربية مضاعفة ولهذا حديث أخر), كان بداخلي يقين أن القذافي زائل. لم أشعر بلحظة شك واحدة رغم كل القلق والتوتر والخوف وتحديات الحياة اليومية في مدينة محاصرة إقتصادياً وأمنياً وتتعرض بشكل شبه يومي للقصف. وبعد التحرير والقضاء على القذافي زاد يقيني بأن القذافي بكل ما يمثله من منظومة دكتاتورية فاسدة قد ذهب بدون عودة.
واليوم مع إقتراب الذكرى الثالثة للثورة الليبية, أخبركم جميعاً إنه لم يعد لدينا سبب للإحتفال. لقد أضعنا ما حصدناه بالدم والدموع باللامبالاة والسلبية والطمع وإنعدام الإحساس بالمسؤولية إتجاه هذا الوطن, وكأن كل من كانت لديهم الرغبة في التضحية من أجل ليبيا قد إستشهدوا في لحظة التحرير. أنا هنا لا أدعي أني أتكلم بلسان غيري, ولا أدعي أني أمثل أحداً غير نفسي, ولكنني أقول لكم أنني اليوم أشعر في بلدي بأني بدون كرامة أكثر من أي وقت مضى. لن أنسى ما رأيته منذ بضعة أيام عندما قام رعاع عديمي التربية (وما أكثرهم في أيامنا هذه) بصفع رجل والجميع يتفرج ولم يستطع حتى الرجل نفسه أن يرد عليهم. تلك اللحظة لخصت الحضيض الذي وصلنا إليه.
كيف يمكنني أن أشعر بالكرامة مع إستقواء كل من هب ودب علينا بالسلاح ليسلبوا المال والعيال وحتى الشرف؟ كيف أشعر بالكرامة مع كل البذاءات التي أسمعها كل يوم في الشوارع وكأنها طريقة المحادثة المعتمدة في الشارع الليبي؟ كيف أشعر بالكرامة عندما يغتصب الكثيرون حقي في المرور عند الإشارة الضوئية وحقي في الطريق بقيادتهم المتهورة وبسيرهم في الإتجاه العكسي ولا يمكنني حتى الإعتراض؟ كيف أشعر بالكرامة وأنا أرى وطني تغتصبه جماعات الإخوان والمجرمين الذين يغطون تعطشهم للدم والقتل بساتر ديني بعد أن لفظهم الشارع في الإنتخابات التي أردناها عرساً فجعلوها حسرة وندامة في قلوبنا.
نحن اليوم نعيش في خوف وذل أسوء من الذي عشناه في قمة طغيان القذافي في الثمانينات. اليوم أصبح الليبيون الأسوياء محاصرين بين براثن عصابات المخدرات والقتل والخطف وبين المليشيات المسلحة التي إختزلت الثورة في ذاتها في تكرار فج لمفهوم "اللجان الثورية" وأصبحت سلطة بدل الدولة التي تبرعت بإعطاء هذه المليشيات غطاء شرعي وبتعطيل إنشاء قوات جيش وشرطة فاعلين رضوخاً لضغوط هذه المليشيات.
عندما أشاهد أحد قادة هذه المليشيات على شاشات التلفزيون أضرب كفاً بكف, ثرنا لنتخلص من ثرثرة القذافي وهلوساته وأمراضه النفسية لنبتلي بمئات القذافيين الجدد الذين بدؤا من النقطة التي إنتهى اليها القذافي عندما وصل لقمة جنونه وطغيانه.
أخواني أريدكم أن تعلموا أنني اليوم قد إنتهى يقيني بأن منظومة القذافي لن تعود. اليوم ليبيا أصبحت أسهل منالاً لبراثن أتباع القذافي أكثر من أي وقت مضى لسببين:
الأول: أن الشعب قد تعب فعلاً من الفوضى وإنعدام الأمن والمهازل المضحكة المبكية التي أصبحت تتكرر يومياً, والتي تهدد فعلياً وحدة ليبيا وأمنها المجتمعي, وهواليوم أصبح أكثر إستعداداً لتقبل عودة النظام القديم على تعلاته مما كان في أي لحظة أخرى مضت.
الثاني: أنا أعلم أن الإخوان ومن والاهم هم من يحكمون ليبيا اليوم وأنهم مدعمون بقوة من الخارج, وأنهم قاموا بإنقلاب أبيض في المؤتمر الوطني ليتخلصوا من كل معارض لهم لتخلوا لهم الساحة, وأعلم أن مليشياتهم تتكفل بتوفير القوة اللازمة لتحقيق أهدافهم. وأنا أعلم أنهم لن يستمروا في حكم ليبيا لعدة أسباب لا مجال لذكرها الأن, ولكن نتيجة ما فعلوه ويفعلونه هوأن الدولة الليبية أصبحت شديدة الهشاشة وفيها فراغ أمني كبير يسمح لأي قوة منظمة وممولة أن تستولى على البلاد ومن فيها في غضون أسابيع.
وأنا لا أرى في الوضع الليبي الحالي من هوقادر علي فعل ذلك غير أتباع القذافي, فهم لديهم خبرة كبيرة جداً في شؤون الأمن وإدارة الإنقلابات وهم يعرفون ليبيا شبراً شبراً وحجراً حجراً.
وهم أيضاً ممولون وهم منظمون ولديهم هدف مشترك ولديهم مناطق عدة متعاطفة معهم وأناس كثر في وظائف ومناصب تحت أمرهم متى شاؤوا. فكروا معي ولاحظوا الكيفية التي إنهار بها الأمن في ليبيا وخاصة في السنة الأخيرة, لاحظوا إنتشار المخدرات الممنهج الذي يؤدي الى معظم الجرائم الجنائية بمختلف أنواعها التي أصبحنا نحيا على وقعها يومياً, وللتتذكروا معي كيف إنتشرت المخدرات بمخطط من نظام القذافي في الثمانينات وبداية التسعينات لتدمير قدرة المجتمع على التحرك والتمرد.
أنا لن أتكلم هنا عن الإغتيالات المنظمة للضباط الليبيين والتي لم يتم كشف الفاعلين في أي منها (علامة إستفهام كبيرة على ذلك), لأنني لا أعلم من يقوم بهذه العمليات, هل هم مليشيات القاعدة أم أنصار القذافي, ولكني أعلم يقيناً أن من يقوم بها يخدم مصالح الفئة الأخيرة علم بذلك أم لم يعلم.
إنصار القذافي لن ينتظروا كثيراً ليتحركوا. لن ينتظروا أكثر من سنة أخرى لتشهد فيها ليبيا المزيد من الإنهيار وتصبح لقمة سائغة لبراثنهم التى قتلها العطش للسلطة والمال.
أنا لا أرى حلاً لما نحن فيه الا بتوافق بين ضباط الجيش والشرطة والمخابرات الوطنيين وبين الثوار الحقيقيين الذين خرجوا من أجل ليبيا ولكنهم لم يسعوا بعد ذلك للمغانم, توافق يشكل قوة وطنية تملئ الفراغ الذي يوجد حالياً وتقوم بالدور الذي قام به الجيش المصري في مصر.
نعم أنا أدعوالوطنيين الى الإنقلاب على المنظومة الفاسدة الحالية قبل أن يقوم القذافي بإنقلابه الثاني. أيها الرجال المحبون لليبيا إنقلبوا على الفاسدين الذين يتلاعبون بمصيرنا في المؤتمر الوطني عديم الوطنية وأعيدوا لنا دستور ما قبل إنقلاب تسعة وستين وأحموا ليبيا من الكيانات ذات الإمتدادات والولائات الخارجية حتى تستعيد الدولة الليبية عافيتها قبل أن يفوت الأوان. تحركوا فلم يبقى الكثير من الوقت وأدعوالله أن لا يصدق في حالي معكم قول الشاعر: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى *** فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ....
اللهم أني قد بلغت فاللهم فأشهد
![e88b714286ef0cd3928fd5050820bc3b_174[1]](http://www.alshouraffa.com/wp-content/uploads/2013/10/e88b714286ef0cd3928fd5050820bc3b_1741.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق