الجمعة، 11 أكتوبر 2013

المجاهد العفيف حسين مفتاح الجويفي البرعصي




المجاهد العفيف

حسين مفتاح الجويفي البرعصي





قائد دور البراعصة والدرسة

بقلم / د . سالم فرج السويدي

قال تعالى: ( مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مّن قَضَىَ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُواْ تَبْدِيلاً )

هو حسين مفتاح الجويفي البرعصي من قبيلة البراعصة الحرابى وقد انخرط المجاهد في حركة الجهاد منذ بداية الغزو الإيطالي بدأ نجمه في الظهور بعد الغزو الإيطالي لليبيا فظهر ضابطاَ في دور العواقير وعرّفه الناس كأول ضابط في دور برقة الوسطي الذي اتخذ مقره في سواني البدين بنواحي سيدي أحمد المقرون، وحين خرج الشارف الغرياني منحازا للإيطاليين أسندت إلى الجويفي وظيفته أصبح بعدها قائدا لمعسكرات أجدابيا، ثم صار قائدا للأدوار النظامية في البريقة والعقيلة ، كما شغل وظيفة قومندان طوابير الطلبة .

حمل الجويفي نعشه علي كفه طوال حياته مقاتلاً في سبيل دينه ووطنه ، ناذراً نفسه للجهاد مردداً دائماً ” أنا لا أريد قيادة ولا منصباً بل أريد جهاداً رغبة في ثواب الله تعالي “، لم يكن يخاف أو يهاب الموت أبداً ، يقاتل من فوق صهوة جواده ، لا يعرف المتاريس ولا الخنادق ، زاهداً في الدنيا لم ينل يوماً من أسلاب وغنائم العدو إلا نصيبه من الذخيرة ، وكان يردد قولته المشهورة أثناء المعارك : ” اللي عند عمر يحز عليه ” مهتدياً بقوله تعالى :       ” لكل أجل كتاب ” .

كان المجاهد الجويفي أحد قادة الأدوار الأربعة التي أقضت مضاجع الغزاة الإيطاليين ، وعضو في الهيئة الاستشارية العليا للأدوار و التي تعرف بهيئة الجبل ” القيادة العسكرية والسياسية لحركة المقاومة الليبية ” ومستشاراً لعمر المختار لمكانته العظيمة عنده.

كما أشتهر بمواقفه البطولية النادرة وحسن البلاء أثناء المعارك التي خاضها صحبة إخوانه المجاهدين ضد القوات الإيطالية ، كما كان الجويفي قائدا لدور البراعصة والدرسة بشحات ، الذي كان مرابطاً ضد الحاميات الإيطالية المتواجدة  بمنطقة البيضاء ، والفايدية ، وسلطنة ، كما شارك الجويفي في العديد من المعارك منها على سبيل المثال لا الحصر : معركة عقيرة الدم ، المطمورة ، الرحيبة ، ومعركة بئر الزيتون ، وأبار الزوزات  التي قدم  حياته فيها دفاعاً عن وطنه ونال الشهادة .

قيادته لمعركة ( أم الشفاتير ) عقيرة الدم   :

استمر المجاهدون في الجبل الأخضر يشنون الهجمات على القوات الإيطالية  ، وحققوا انتصارات رائعة من أشهرها موقعة يوم الرحيبة بتاريخ 28 مارس 1927م جنوب شرقي المرج قرب جردس العبيد .

أراد الإيطاليون أن ينتقمون لقتلاهم في معركة الرحيبة للضباط الستة وأعوانهم المرتزقة البالغ عددهم (312) في محاولة لإعادة رفع معنويات جنودهم المنهارة نتيجة لتلك الهزيمة الساحقة ، وتمّ إعداد الجيوش الجرارة، لتتخذ من الجبل الأخضر قاعدة لها . فزحفت القوات الإيطالية نحو منطقة العقيرة بعد مسيرة دامت يومين كاملين، وضربت حصاراً حول قوات المجاهدين من ثلاث جهات .

علم المجاهدون بذلك وأخذوا يعدون العدة لملاقاة العدو فأعدوا خطة حربية ، وقاموا بحفر الخنادق حول أطراف المنطقة  ليستتروا بها، في الوقت نفسه لحماية النساء والأطفال والشيوخ الذين كانوا برفقتهم، وتم ترتيب المجاهدين على شكل مجموعات حسب انتمائهم القبلي، ووضعت أسر كل قبيلة خلف رجالها المقاتلين .

تم الاتفاق بين جميع المجاهدين على تكليف المجاهد التقي الزاهد الورع العفيف  حسين الجويفي بقيادة معركة أم الشفاتير (عقيرة الدم ) التي جرت يوم ، لمعرفته بشعاب ودروب المنطقة جيداً التي كان يسكنها ، مع كونه أحد قادة الجهاد ، وأحد مستشاري شيخ الشهداء عمر المختار، وقد عرفت هذه المعركة أيضاً بعدة أسماء منها : نهار العقيرة – يوم العقيرة – عقيرة الدم ، وأشهرها أم الشفاتير .

أخذ المجاهدون بقيادة الجويفي يعدون العدة والثقة تملأ نفوسهم والإيمان يعمر قلوبهم لمواجهة تلك الجيوش القادمة باتجاههم من عدة مناطق ، التي بدأت في شن هجماتها على قوات المجاهدين في 10 أغسطس 1927م   في ثلاثة محاور، وقد أدرك المجاهدون أنها معركة وجود أو فناء لهم ولعائلاتهم ، وعزموا على القتال حتى يتحقق النصر أو يستشهدون في سبيل ذلك .

شنت فرقة من قوات المجاهدين بقيادة كل من المجاهد سعد العبد والمجاهد محمد أبونجوى عدة هجمات استشهادية على آليات العدو ودباباته وتمكنوا من إعطاب بعض الآليات وإشعال النيران في بعضها الآخر، واشتبكت فرقة أخرى من قوات المجاهدين مع مشاة القوات الإيطالية بالسلاح الأبيض، وبعد قتال عنيف استمر عدة ساعات بدأ التضعضع والضعف يظهر على القوات الإيطالية، وشعر قادة المجاهد ين ببشائر النصر فزادوا من ضغطهم على القوات الإيطالية التي أخذت بالانسحاب دون نظام , وأثناء مطاردة قوات العدو المنسحبة أصيب المجاهد محمد سعيد أبو نجوى بجراح بليغة , فأخذه المجاهد الجويفي إلي وسط العقيرة وأشرف على إسعافه وعلاجه وبقى إلي جانبه مدة ثلاث أيام إلي أن  فاز بالشهادة متأثرا بجراحه البليغة ودفن بمنطقة الشعفة .

كما استشهد في هذه المعركة القاضي الشيخ محفوظ الورفلي قاضي الأدوارـ رحمة الله على شهدائنا الأبرارـ ولا نملك إلا أن نذكر في هذا الموقف قوله تعالى:” وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ” ، وقد حقق المجاهدون خلال هذه المعركة انتصاراً باهراً على قوات العدو المدجج بالأسلحة الحديثة والمدعوم بالطائرات .

استشهاد الجويفي :

في معركة أبار الزوزات 13 أغسطس 1927م دفع الجويفي قائد دور البراعصة والدرسة حياته فداء لوطنه واستشهد في المعركة ، وكان صاحب مكانة عظيمة عند شيخ الشهداء عمر المختار ، كما كان للمجاهد الجويفي صفات وعادات شخصية متعلقة به وحده من أهمها أنه كان يحارب دائماً راكباً صهوة جواده ، وكان سباقاً للخيرات، حريصاً على الشهادة في سبيل الله ، ويحرص على الخروج للمعارك حتى أثناء مرضه حتى أن شيخ الشهداء عمر المختار في إحدى المعارك طلب منه أن يبقي حفاظاً على صحته وقال له :” الجايات أكثر من الفايتات والطليان لا يبطلوا لمحاربتنا ونحن لا نبطل الهجوم عليهم وستشبع من القتال فأيامه كثيرة ” . لقد تأثر الشيخ عمر المختار لاستشهاد المجاهد الجويفي ووقف عند قبره وقال بيتا من الشعر :

شهير لَسَم وَافِ الدين

تمَّا غفير في فاهق خلا

وفاء الثورة للمجاهدين :

إن ليبيا الثورة لا تنسى أبطال ها الشرفاء الذين ضحوا بدمائهم الغالية من أجل تراب الوطن ، وعرفاناً بما قدمه هؤلاء للوطن من تضحيات في إطار تقديسها لحركة الجهاد واحترامها وتقديرها للمجاهدين الصناديد قامت بتكريم المجاهد الجويفي ب إقامة نصب تذكاري للشهيد بجردس الجراري (جردس البراعصة) جنوبي مدينة البيضاء ، كما أطلقت اسمه على أحدى كتائب الشعب المسلح بمدينة البيضاء وفاءً لذكراه العطرة .

وفي الختام لا يسعني   إلا أن أقول إن المجاهد الجويفي من المجاهدين العظام الذين ساهموا في الذود عن حياض المسلمين ، لقد شهد له رفاقه بشدة مراسه وعفته، فله منا ولجميع إخوانه الشهداء الذين سطروا لنا صفحات من البطولة والرجولة للذود عن وطننا و ديننا العظيم ين الدعاء بالمغفرة والرحمة والرضوان ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الشهداء الأبطال برحمته ويدخلهم فسيح جناته . وإلى لقاء آخر مع ذكرى شهيد آخر من شهدائنا الأبطال .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق