الاثنين، 14 أكتوبر 2013

المرحومه/ غزاله القطعانى (الكيش)


المرحومه/ غزاله القطعانى (الكيش)


 المصدر / وجوه ليبية مشرقه 

غزاله


شارعنا القديم ....

بقلم مراد الهونى



غزالة القطعانى او " الكيش " كما يحلو لنا ان نناديها عندما كنا صغارآ نسبة لمنطقة الكيش التى كانت كثيرآ ما تتردد عليها حتى ارتبط ذاك الاسم بها و كنيت به بيننا نحن صغار الشارع و كباره " الكيش " كانت احد عجائز شارعنا و اكبرهن سنآ حتى ان تقوس جسمها الضئيل النحيل يكاد ان يصل الارض لولا عكازها الذى يعينها على الوقوف و المشى كنا نتأمل قسمات وجهها الذى ارهقته التجاعيده حتى بدت كندوب و تشققات حفرها الزمن ناهيك عن شعيرات بيضاء متناثرة هنا و هناك نمت على وجهها و كست مسحته بشكل يدعو الى الاستغراب و كأنها اثار لبقايا مشروع لحية لم يقدر لها ان تنمو كما يجب و كانت عندما تهم بمناداة احد منا بصوتها الذى بالكاد يسمع من بعيد نمعن فى النظر الى اسنانها التى ظهربعضها من جديد و هى من علامات الكبر و باللهجة العامية يقال لمن هو على شاكلتها بانها ولفت ...


الكيش هى شئ عتيق من ماضى هذا الشارع الذى تزوجت فيه فى بدايات القرن الماضى من المرحوم لامين اخليف و كان والده من تجار القوافل مع مصر و تشاد و السودان حيث يقوم بتصدير السمن و ريش النعام و يستورد الكيطان و الجرود و كانت ثمرة ذلك الزواج ابنآ اسمياه حمد و هو وحيد والديه الذى كبر و اصبح شابآ فى مقتبل عمره متقد الذكاء يتحدث بطلاقة اللغة الايطالية التى كانت طريقآ مختصرآ لمن هم على شاكلته فى الحصول على عمل يعين به اسرته.


فكان ان اصبح موظفآ فى احدى الادارات المدنية الخاصة بالسكان الوطنيين ( الليبيين كما كانت تسميتهم انذاك ) و لكن القدر الذى وهبها ذلك الابن سرعان ما عاد لينزع منها فرحتها تلك بوفاته بعد مرض لم يمهله طويلآ فى العشرينيات من القرن الماضى ليتوفى الاب بعد ذلك كمدآ و حزنآ على فلذة كبده و معينه فى كبره فكان قدر " الكيش " ان تكمل ما بقى لها من حياتها وحيدة الا من اخ ( مسعود ) يكبرها فى العمر و يقترب منها فى الشكل و بدلآ من ان يساعدها فى تدبر امور حياتها بعمله كغفير بفندق حباق فاذ به يفقد عمله بسبب كبره و شيخوخته التى كثيرآ ما كانت تلزمه الفراش لايام فكانت هى التى تعوله و تهتم لامره فى بيتها الذى لم يكن الا بقايا مخزنآ ارتسمت على جدرانه المهترئة قصة معاناتها و سيرة حياتها .



و كان عبارة عن غرفة واحدة كبيرة تعج باكوام من بقايا الملابس و الحاجيات المنزلية التى لم تجد لها مكانآ على تلك الحوائط و لا على على الارفف التى بالكاد تستطيع ان تنهض نفسها من قدمها و بساطة صناعتها فكان هذا المخزن " المخدع " الذى اعطاه لهم المرحوم ابراهيم القطار بالكاد يوفر لها و لاخيها مكانآ امنآ لا بديل لهم عنه.



و كان هذا المخزن المتواضع البائس يتوسط بيت المرحوم الحاج مراجع اخليف و بيت المرحوم الحاج على شولاك ( جدى ) و هو بيت صغير من دورين بسلم خشبى من الداخل كان يؤجره للوافدين على شارعنا و الذى باعه بعد ذلك لأأل تبرة ... و قد كانت الكيش قبل ذلك تسكن فى بيت عربى قديم فى بداية شارع اسنيدل و مكانه الان هو بيت المرحوم سالم الرعيض المربى الفاضل رحمة الله عليه ..


" الكيش " كانت الى ذلك كثيرآ ما تستفيد نساء شارعنا من خدماتها فهى التى كانت تحرص على مساعدة كل من احتاج الى معونتها و هى التى كانت ترعى الاطفال و تؤنس وحدة جاراتها بيوت شارعنا كانت كلها بدون استثناء بيوتها التى تدخلها متى شأت و متى ارادت ..... امرأة ودودة طيبة عطوفة خدومة لا تعرف الكلل و الكسل برغم شيخوختها و كبر سنها تواصل الكبير و الصغير على السواء ...


و هى التى تنصح و تنهر من استحق ذلك منا .. فهى صاحبة الحضور المميز فى ذلك الشارع ..


شاء قدرها ان تفقد اخاها و مؤنسها الوحيد و كنا بعد صغارآ فى الستينيات حتى اننا لا نتذكر كيف توفى و متى توفى ما اتذكره و يتذكره بعضآ من صغار شارعنا عنه هى تلك الصورة الضبابية لعجوز هرم باسماله البالية من مخلفات الحرب العالمية الثانية و اتذكر فقط تجمع جيراننا للقيام بواجب العزاء لهذا العجوز الوحيد بجامع الدراوى القريب من بيتنا ..


الكيش التى فقدت اخاها و من قبله ابنها و زوجها لم تفقد ابدآ تعاطف جيرانها معها و حبهم و مؤازرتهم لها فكانوا اقرب اليها من اهلها الذين لم نكن لنعرفهم لقلة تواصلهم معها و شح سؤالهم عنها شارع اسنيدل بالنسبة للكيش و بيت ونيس صالح قطيش بشارع نبوس ( التى كانت على صلة قرابه بجدته ) كان هو اهلها و عائلتها و معارفها و كل شئ عندها فهى لم تعرف مكانآ غيره و لم تسكن مكانآ غيره عاشت فيه و تزوجت فيه و انجبت فيه .


المكان بالنسبة اليها اصبح ملازمآ لزمانها بحيث اصبح من الصعوبة بمكان ان نفصل بينهما .. المكان بالنسبة للكيش هو محيطها الذى عاشت فيه و زمانها هى تلك السنوات التى امضتها بفرحها و سرورها .. فهى اذآ علاقة روحية و وجدانية لا يمكننا و نحن صغارآ اذ ذاك ان نتخيلها او ان ندرك ابعادها الا بعد ان كبرنآ و رحلنا عن ذلك الشارع بدون ان ترحل ذكرياتنا عنه التى بقت رغم كل الضروف و رغم كل السنين شاهدة على عمق تلك العلاقة المكانية التى مازالت تشد حنينآ اليه و الى كل شئ فيه الى محاولة تذكر كل تفاصيله و و جوه اهله جيراننا و اصدقاء طفولتنا .


الكيش كانت ايظآ جزء من الصور التى لطالما استرجعها لبيت جدى القديم بشارع اسنيدل المقابل لبيتها الذى تذهب اليه فقط للاهتمام باخيها قبل ان يتوفاه الله فوجودها ببيتنا لم يكن شيئآ استثنائيآ بل عدم وجودها احيانآ ما يسترعى السؤال عنها فلم تكن جدتى " امنة سالم بالتمر " لتستغنى عنها يومآ واحدآ فكانت و هى المرأة المدبرة القوية المراس تعرف قدر هذه المرأة و توليها اهتمامها و رعايتها فى كل ما تحتاج اليه و هى التى اهتمت بأبنها الكبير محمد ( والدى ) الذى ولد فى نهاية العشرينيات بعد وفاة ابنها و هى التى ارضعت عمى ( مفتاح ) رحمة الله عليه و كانت تؤثره باهتمامها و رعايتها و كثيرآ ما كانت تصطحبه معها للذهاب الى الكيش حتى قيل بأنه هو الذى اطلق عليها ذلك الاسم .....


و بعد وفاة جدتى فى الخمسينيات كانت المرحومة يامنة القطار (يامنة بن زبلح ) والدة المرحوم خليفة الفاخرى لوالدى و عمى و عماتى بمثابة الجارة و الام الكبيرة التى لم تتركهم لحظة واحدة و كان دور الكيش ايظآ مماثلآ لدور المرحومة يامنة فى الاهتمام بامور العائلة و ابنائها على وجه الخصوص ... حتى تزوج جدى من جديد بالمرحومة مرضية الزائدى - دوقاق ( احنينة مرضية ) كما كنا نسميها .. فاستمرت الكيش ملازمة لبيتنا ..


تزوجت البنات و الابناء و انتقل اغلبهم الى بيوت لهم خارج المنطقة عمتى سليمة سكنت لفترة ببيت تبرة و منه انتقلت للفويهات و عمتى فتحية انتقلت للسكنى بشارع عبدالله باله و منه للسكابللى عمتى سالمة انتقلت للسكنى باجدابيا و منها لطرابلس و عمتى علية انتقلت للسكنى بالبركة بشارع العرفية و عمتى فاطمة بالشابى مقابل البحر و عمى بشارع نبوس و منه لشارع الرعيض و اخيرآ بطرابلس و و ابى انتقل من بيت جدى الى بيت قريب منه بعد بيت محمد القطار و منه استأجر بيتآ للمرحوم عبدالله عبدالصمد بزنقة شلوف و منه انتقلنا الى الساكابللى فى بيت حكومى من البيوت الايطالية الذى كان يسكنه المرحوم فتحى الطاهر افتيتة ابن خالى ...


و ظلت الكيش هى محور اهتمامنا و سؤالنا الدائم عنها و عن احوالها فكنا نذهب اليها للاستفسار عنها لأنها لم تكن لتقوم بذلك و هى العجوز التى لم تعد تقوى على ان تقطع المسافة بين شارع اسنيدل و منطقة السكابللى حيث بيتنا .... فأصر والدى و برغبة من والدتى رحمة الله عليهم على ان تنتقل للسكنى معنا ببيتنا و اذكر اننا حملنا نذرآ يسيرآ من حاجياتها و الباقى تم تركه كما هو بالمخزن الذى لم يكن بابه ليقفل بفعل القدم و قلة الاستعمال ...


الكيش التى اعرفها هى العجوز التى كانت تحنو على و تهتم لامرى دون اخواتى و هى التى كنا نحرص على ملاحظة طريقة صلاتها و دعائها فى الصلاة و سور القرأن التى كانت تقرأها و التى كانت عبارة عن لهجة عامية بكلمات بعضها ادعية و بعضها ايات قرأنية و كانت تتلوها بطريقة غريبة تدعونا الى التأمل و التفكر فى كلماتها و كنا نعزو ذلك الى امية من هم فى عمرها و هو عذرها الوحيد فى ذلك وبخاصة فى شهر رمضان الكريم الذى نادرآ ما كانت تصيمه فى ايامها الاخيرة لأننا كنا نخفى عليها ذلك خشية منا على صحتها و لعدم ادراكها فى اواخر سنوات عمرها لما يحيط حولها بعد ان ادركت من العمر عتيآ ... و هو ما دعانى الى الكتابة عنها فى هذا الشهر الكريم داعيآ لها بالمغفرة و الرحمة ...


و اتذكر سؤالنا الدائم لها عن تاريخ ميلادها و عن عمرها الذى تجاوز المائة بسنوات فكانت اجابتها الحاضرة دومآ " العام اللى كان فيه النعجة ببوشليك و قرش " حينها لم نكن لنفهم ان البوشليك ( بشلك ) هى عملة نقدية تركية من فئة الخمسة و هى عملة ذهبية ضربت فى عصر السلطان محمود الاول الاول و السلطان مصطفى الثالث و كانت تزن 17.5 قيراطآ الى 23 قيراطآ صافيآ ..... الشئ الوحيد الذى لم احضى باجابة عنه هو لماذا سميت تلك السنة بهذا الاسم هل لأن سعر النعجة ارتفع و اقترب من هذا المبلغ المرتفع وقتها ...



الكيش التى عاشت معنا و سافرت للحج مع الوالد و الوالدة بعد ذلك و توفت ببيتنا فى السبالة فى عام 1976 م و لم احضر وفاتها لوجودى بطرابلس مشاركآ فى احدى المناشط الكشفية اتذكرها فى ايامها الاخيرة و اتذكر معها عجائز و نساء شارعنا اللائى رحل اغلبهن عن دنيانا الفانية رحمة الله عليهن جميعآ و رحمة الله على امهاتنا العفيفات الطاهرات رحمة وسعها السموات و الارض ....
( الصورة للمرحومة غزالة القطعانى - الكيش - التقطها لها والدى ببيت جدى على عبدالقادر شولاك الهونى فى 1951م بشارع اسنيدل )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق